فخر الدين الرازي

165

تفسير الرازي

سورة المسد خمس آيات مكية بالاتفاق ) * اعلم أنه تعالى قال : * ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) * ثم بين في سورة : * ( قل يا أيها الكافرون ) * أن محمداً عليه الصلاة والسلام أطاع ربه وصرح بنفي عبادة الشركاء والأضداد وأن الكافر عصى ربه واشتغل بعبادة الأضداد والأنداد ، فكأنه قيل : إلهنا ما ثواب المطيع ، وما عقاب العاصي ؟ فقال : ثواب المطيع حصول النصر والفتح والاستيلاء في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى ، كما دل عليه سورة : * ( إذا جاء نصر الله ) * وأما عقاب العاصي فهو الخسار في الدنيا والعقاب العظيم في العقبى ، كما دلت عليه سورة : * ( تبت ) * ونظيره قوله تعالى في آخر سورة الأنعام : * ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ) * فكأنه قيل : إلهنا أنت الجواد المنزه عن البخل والقادر المنزه عن العجز ، فما السبب في هذا التفاوت ؟ فقال : * ( ليبلوكم فيما آتاكم ) * فكأنه قيل : إلهنا فإذا كان العبد مذنباً عاصياً فكيف حاله ؟ فقال : في الجواب : * ( إن ربك سريع العقاب ) * وإن كان مطيعاً منقاداً كان جزاؤه أن الرب تعالى يكون غفوراً لسيئاته في الدنيا رحيماً كريماً في الآخرة ، وذكروا في سبب نزول هذه السورة وجوهاً أحدها : قال ابن عباس : كان رسول الله يكتم أمره في أول المبعث ويصلي في شعاب مكة ثلاث سنين إلى أن نزل قوله تعالى : * ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) * فصعد الصفا ونادى يا آل غالب فخرجت إليه غالب من المسجد فقال أبو لهب : هذه غالب قد أتتك فما عندك ؟ ثم نادى يا آل لؤي فرجع من لم يكن من لؤي فقال أبو لهب : هذه لؤي قد أتتك فما عندك ؟ ثم قال يا آل مرة فرجع من لم يكن من مرة ، فقال أبو لهب : هذه لؤي قد أتتك فما عندك ؟ ثم قال : يا آل مرة فرجع من لم يكن من مرة ، فقال أبو لهب : هذه مرة قد أتتك فما عندك ؟ ثم قال يا آل كلاب ، ثم قال بعده : يا آل قصي ، فقال أبو لهب : هذه قصي قد أتتك فيما عندك ؟ فقال : إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين وأنتم الأقربون ، اعلموا أني لا أملك لكم من الدنيا حظاً ولا من الآخرة نصيباً إلا أن تقولوا لا إله إلا الله فأشهد بها لكم عند ربكم فقال أبو لهب عند ذلك : تباً لك ألهذا دعوتنا ، فنزلت السورة وثانيها : روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد الصفا ذات يوم وقال : يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش فقالوا : مالك ؟ قال : أرأيتم إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدقوني ؟ قالوا : بلى قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، فقال عند ذلك أبو لهب ما قال فنزلت السورة وثالثها : أنه جمع أعمامه وقدم إليهم طعاماً في صحفة فاستحقروه وقالوا : إن أحدنا يأكل كل الشاة ، فقال : كلوا فأكلوا حتى شبعوا ولم ينقص من الطعام إلا اليسير ، ثم قالوا : فما عندك ؟ فدعاهم إلى الإسلام فقال أبو لهب ما قال ، وروى أنه قال أبو لهب : فمالي إن أسلمت فقال : ما للمسلمين ، فقال : أفلا أفضل عليهم ؟ فقال